القرطبي

207

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وعطاء وطاوس وعروة بن الزبير ، ومن بعدهم من أهل العلم ، قال الله تعالى " وكتبنا له في الألواح من كل شئ " ( 1 ) [ الأعراف : 145 ] . وقال تعالى : " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " ( 2 ) [ الأنبياء : 105 ] . وقال تعالى : " واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة " ( 1 ) [ الأعراف : 156 ] الآية . وقال تعالى : " وكل شئ فعلوه في الزبر . وكل صغير وكبير مستطر " ( 3 ) [ القمر : 52 - 53 ] . وقال : " علمها عند ربي في كتاب " إلى غير هذا من الآي . وأيضا فإن العلم لا يضبط إلا بالكتاب ، ثم بالمقابلة والمدارسة والتعهد والتحفظ والمذاكرة والسؤال والفحص عن الناقلين والثقة بما نقلوا ، وإنما كره الكتب من كره من الصدر الأول لقرب العهد ، وتقارب الاسناد لئلا يعتمده الكاتب فيهمله ، أو يرغب عن حفظه ( 4 ) والعمل به ، فأما والوقت متباعد ، والاسناد غير متقارب ، والطرق مختلفة ، والنقلة متشابهون ، وآفة النسيان معترضة ، والوهم غير مأمون ، فإن تقييد العلم بالكتاب أولى وأشفى ، والدليل على وجوبه أقوى ، فإن أحتج محتج بحديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا تكتبوا عني ومن كتب غير القرآن فليمحه ) خرجه مسلم ، فالجواب أن ذلك كان متقدما ، فهو منسوخ بأمره بالكتابة ، وإباحتها لأبي شاه وغيره . وأيضا كان ذلك لئلا يخلط بالقرآن ما ليس منه . وكذا ما روى عن أبي سعيد أيضا - حرصنا أن يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة فأبى - إن كان محفوظا فهو قبل الهجرة ، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن الثالثة - قال أبو بكر الخطيب : ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد ، ثم الحبر خاصة دون المداد ( 5 ) لان السواد أصبغ الألوان ، والحبر أبقاها على مر الدهور . وهو آلة ذوي العلم ، وعدة أهل المعرفة . ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال : رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر وأنا أخفيه ، فقال : لم تخفيه وتستره ؟ إن الحبر على الثوب من المروءة لان صورته في الابصار سواد ، وفي البصائر بياض . وقال خالد بن زيد : الحبر في ثوب صاحب الحديث مثل الخلوق ( 6 ) في ثوب العروس . وأخذ هذا المعنى أبو عبد الله البلوى فقال : مداد المحابر طيب الرجال * وطيب النساء من الزعفران فهذا يليق بأثواب ذا * وهذا يليق بثوب الحصان

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 280 فما بعد وص 296 . ( 2 ) راجع ص 349 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 17 ص 149 . ( 4 ) في ب وج وز وط ك وى : تحفظه . ( 5 ) لا فرق في اللغة بين المداد والحبر ولعل المراد الكتابة بالحبر الأسود خاصة فالتفرقة بحسب اللون على ما يبدو . ( 6 ) الخلوق : طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره .